ابن ميثم البحراني
180
شرح نهج البلاغة
الفناء ، وإنّما خصّ الحكم بالاستدلال دون الأوّل لكون الأوّل ضروريّا . وبيان الملازمة أنّ الفناء مهروب منه لكلّ موجود فإمكان الامتناع منه مستلزم للداعي إلى الامتناع المستلزم للامتناع منه المستلزم للبقاء ، وأمّا بطلان التالي فلمّا ثبت أنّه تعالى يفنيها فلزم أن لا يكون لها قدرة على الامتناع . وقوله : لم يتكاءده . إلى قوله : خلفه . ظاهر لأنّ المشقّة في الفعل وثقله إنّما يعرض لذي القدرة الضعيفة من الحيوان لنقصانها . وقدرته تعالى بريّة عن أنحاء النقصان لاستلزامه الإمكان والحاجة إلى الغير . وقوله : ولم يكوّنها . إلى آخره . إشارة إلى تعديد وجوه الأعراض المتعارفة للفاعلين في إيجاد ما يوجدونه وإعدامه . ونفى تلك الأعراض عن فعله في إيجاده ما أوجده وإعدامه ما أعدمه من الأشياء : أمّا الأعراض المتعلَّقة بالإيجاد فهو إمّا جلب منفعة كتشديد السلطان وجمع الأموال والقينات وتكثير الجند والعدّة والازدياد في الملك بأخذ الحصون والقلاع ومكابرة الشريك في الملك كما يكابر الإنسان غيره ممّن يشاركه في الأموال والأولاد أو رفع مضرّة كالتخوّف من العدم والزوال فخلقها ليتحصّن بها من ذلك أو خوف النقصان فخلقها ليستكمل بها أو خوف الضعف عن مثل تكاثره فخلقها ليستعين بهما عليه أو خوف ضدّ يقاومه فأوجدها ليختزل منه ويدفع مضرّته أو لوحشة كانت له قبل إيجادها فأوجد ليدفع ضرر استيحاشه بالأُنس بها ، وكذلك الأغراض المتعلَّقة بعدمها : إمّا إلى دفع المضرّة كرفع السأم اللاحق له من تصريفها وتدبيرها والثقل في شيء منها عليه والملال من طول بقائها فيدعوه ذلك إلى إفنائها ، أو جلب المنفعة كالراحة الواصلة إليه . فإنّ جلب المنفعة ودفع المضرّة من لواحق الإمكان الَّذي تنزّه قدسه عنه . وقوله : لكنّه سبحانه . إلى قوله : لقدرته . فتدبيرها بلطفه إشارة إلى إيجاده لها على وجه الحكمة والنظام الأتمّ